الجمعة، 18 نوفمبر 2011

الحطيئة



الحطيئةأبو مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي المشهور بـ الحطيئة شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في زمن أبي بكر. ولد في بني عبس دعِيًّا لا يُعرفُ له نسب فشبّ محروما مظلوما، لا يجد مددا من أهله ولا سندا من قومه فاضطر إلى قرض الشعر يجلب به القوت، ويدفع به العدوان، وينقم به لنفسه من بيئةٍ ظلمته، ولعل هذا هو السبب في أنه اشتد في هجاء الناس ، ولم يكن يسلم أحد من لسانه فقد هجا أمّه وأباه حتى إنّه هجا نفسه.حبسه في السجنكان سبب حبسه أن الزبرقان بن بدر التيمي سيد قومه عَمِل للنَبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكان يجمع زكاة قومه ويؤديها لهم. وقد أشتكى لعمراً لما هجاه الحطيئة. فقال له عمر وما قال لك: قال: قال لي:دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فقال عمر: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة. فقال الزبرقان: أو لا تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس! والله يا أمير المؤمنين ما هُجيت ببيت قط أشد عليَّ منه. فدعا عمر حسان بن ثابت وسأله: أتراه هجاه؟ قال حسان: نعم وسلح عليه! فحبس عمر الحطيئة، فجعل الحطيئة يستعطفه ويرسل إليه الأبيات، فمن ذلك قوله:تحنن عليّ هداك المليك فإن لكل مقام مقــال فلم يلتفت إليه عمر، حتى أرسل إليه الحطيئة:ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر القيت كاسبهم في قعر مظلمــة فاغفر عليك سلام الله يا عمر انت الامام الذي من بعد صاحبه القت اليك مقاليد النهى البشر ما آثروك بها اذ قدموك لها لا بل لانفسهم قد كانت الاثر قال عمر: فإياك والمقذع من القول فقال الحطيئة: وما المقذع؟ قال عمر: أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان وآل فلان خير من آل فلان؛ قال الحطيئة: فأنت والله أهجى مني. ثم قال له عمر: والله لولا أن تكون سُنّة لقطعت لسانك. فاشترى عمر منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وأخذ عليه عهداً ألا يهجو أحداً ولكن يقال أنه رجع للهجاء بعد مقتل عمر بن الخطاب.قال عن أمه:جزاك الله شراً يا عجوز ولقاك العقوق من البنينا تنحي فأجلسي مني بعيداً أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سراً وكانوناً على المتحدثينا وقال لأبيه:فنعم الشيخ أنت لدى المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي جمعت اللؤم لا حياك ربي وأبواب السفاهة والضلال وقال يهجوا نفسه:أبت شفتاي اليوم إلا تلكماً بهجو فما أدري لمن أنا قائله فرأى وجهه في الماء فقال:أرى اليوم لي وجهاً فلله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله وعندما مات أوصى أن يعلق هذا على كفنه:لا أحدٌ ألأم من حطيئة هجا البنين وهجا المريئة

الكرم - نص شعري


قصيدة الكرم

وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطنِ مرملٍ***بتيهاءَ لم يــعرفْ بها سـاكن رَسْمــا 

أخي جفوة ٍفيه من الإنـس وحشــــةٌ***يرى البؤسَ فيها من شراسته نُعمـى 

وأفرد في شعبٍ عــجـوزاً إزاءَهــا***ثــلاثــة أشـبــاح تـخــالهــم بَـهمـــا 

حُفاةٍ عُراةً مــا اغتذوا خـبـز مــلــة***ولا عــرفوا للبُّر مذ خُــلِقوا طــعمـا 

رأى شـبحاً وســط الـظلام فـراعـه***فـلمّــا بـدا ضيفــاً تســوَّر واهتــمَّــا 

وقال هيا ربّــاه ضــيفٌ ولا قِــرى***بحقِّــك لا تحــرمـه تــالليــلة اللـحما 

وقــال ابـــنه لــمّــا رآه بــحــيــرةٍ***أيــا أبــتِ اذبــحنــي ويسِّر له طُعما 

ولا تعتــذر بالعــدم علَّ الذي طرا***يــظنُّ لــنــا مــالا فــيوسعـنــا ذمّــا 

فــروّى قــليـلاً ثمّ أحــجـم بــرهةً***وإن هــو لــم يــذبـح فــتاه فـقد همّا 

فــبيناهــما عنَّت على البعــد عانةٌ***قد انتظمت من خلف مسحــلها نظمَا 

عِـطـاشًا تريد الماء فانساب نحوها***علـــى أنّــه مـنهــا إلى دمهــا أظــما 

فأمهــلها حتى تروّت عِــطــاشُهــا***فــأرســل فيها من كــنانــته ســهــما 

فخرَّت نحوص ذات جحشٍ سمينةٌ***قد اكتنزت لحمًــا وقد طبّقت شحــما 

فـيـا بِــشره إذ جــرّهــا نحو قومه***ويا بشــرهــم لــمّا رأوا كــَلمها يدمى 

فباتوا كرامًا قد قضوا حقّ ضيفهم***فلم يغرموا غُرمًا وقد غــنموا غُــنما 

وبات أبــوهم مــن بشاشــتــه أبــا***لــضيفــهم ُ والأُمُّ من بشــرهــا أُمّــَا

رؤية في رسالة عمان



الرؤية

ولدت رسالة عمان في ليلة مباركة عندما أحيا جلالة الملك عبدالله الثاني في التاسع من تشرين الثاني 2004 ليلة القدر المباركة في مسجد الهاشميين، واستمع جلالة الملك إلى رسالة عمان التي قرأت على مسامعه قبل إعلان الأردن عزمه عقد المؤتمر الإسلامي الدولي في عمان عام 2005.

"
ان العالم يشهد في هذه المرحلة وبخاصة عالمنا العربي والإسلامي اعتداءات اثمة من قبل المتطرفين والإرهابيين وبخاصة أولئك الذين يتسترون برداء الدين الإسلامي ويسعون لتشويه صورة الإسلام ونشر الخراب والدمار في أنحاء العالم ولهذا فإننا نؤكد ان المدرسة هي الركن الأساس في التوعية بجوهر وحقيقة ديننا الإسلامي العظيم الذي قدم للبشرية انصع صور العدل والاعتدال والتسامح وقبول الأخر ورفض الانغلاق والتعصب ولم تكن مدارس الإسلام على مدى التاريخ الا منارات علم رفدت العالم بخيرة الخيرة من علماء ومفكرين كانوا روادا في مسيرة نهضة المجتمع الإنساني.

وانطلاقا من مفهومنا للإسلام دين الحق والعدل والمساواة فقد أطلقنا في العام الماضي رسالة عمان للتأكيد على رسالة الإسلام الحقيقية وإبراز صورته المشرقة القائمة على مبادئ التسامح والاعتدال والتعايش والانفتاح والحوار ونبذ العنف والإرهاب والتصدي للادعاءات وللتعاليم الزائفة للمتطرفين". رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى طلبة المدارس بمناسبة العام الدراسي 20 آب 2005.


تعريف

الرسالة وليدة فكرة هاشمية تجمعت أركانها ليتبنى الأردن خلالها الكثير من المؤتمرات والندوات وكذلك المبادرات الهادفة إلى صياغة موقف إسلامي عقلاني بحثي فقهي سياسي يعرض على الأمم والشعوب كلها، وإسلام ما يزال يشكل في اعتداله وتسامحه ورقيه ثقلا حفظ ويحفظ الحياة الإنسانية من صدامات وانحرافات خطيرة.

وصدرت الرسالة عن جلالة الملك عبدالله الثاني الذي خاض بنفسه تجربة التحدث إلى المجتمعات الغربية وبلغتها الواضحة، ولمس مثلما لمس الكثيرون الأثر الطيب الذي تركته خطاباته التي تعتبر نموذجا في المعاصرة والصدق والصراحة لدى الأوساط الغربية.

هذه الأوساط الفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية رفيعة المستوى، أظهرت انبهارها بالأفكار التي عبر عنها جلالته وهو يصحح الصورة ويحذر من الوقوع في التزييف والتشويه الذي يستهدف تدمير جسور العلاقة بين الشعوب وتضر بالعلاقات الدولية ضررا بالغا لما تبثه من ريبة وضغينة وشكوك لا يستفيد منها سوى أعداء السلام والأمن والازدهار، وغيرهم ممن يجنحون نحو التطرف والتعصب والإرهاب.

الرسالة أكدت على ان الأردن قد تبنى نهجا يحرص على إبراز الصورة الحقيقية للإسلام ووقف التجني عليه ورد الهجمات عنه بحكم المسؤولية الروحية والتاريخية الموروثة التي تحملها قيادتها الهاشمية بشرعية موصولة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.

وجاءت رسالة عمان في وقت أحوج ما تكون الأمة الإسلامية لمن يصارحها بما نهضت إليه عبر تاريخها من إنجازات وما تضمنته حضارتها من منجزات وما حل بها منذ قعودها عن الفعل والحركة من محن وابتلاءات، لتحمل وفق رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني على عاتقها أمانة الدفاع عن قيم الدين الحنيف ومبادئه وأخلاق الأمة التي تدين به لفك الحصار عن عقلها والخروج من العزلة التي اختارتها والعودة إلى مقاصد شريعتها التي انتدبت من بين الأمم.

وأرادت رسالة عمان أن توحد رؤية العالم الإسلامي وتجمعه على خطاب واضح المعالم محدد الأطر، لا يسمح بترك المفاهيم العامة لتتحول إلى مساحات رمادية يلعب فيها ويعبث بها منتسبون ضعفاء العقل والضمير عابثون بمصير الأمة لا يقيمون وزنا لشرعة الله وسنة النبي، يلتقون في نهاية المطاف بالقوى التي دأبت منذ عقود على محاولة عزل الأمة الإسلامية عن المجتمع البشري والحضارة الإنسانية المعاصرة ليس حماية لها.

والإسلام العظيم حسب ما شددت عليه الرسالة يدعوا إلى الانخراط والمشاركة في المجتمع الإنساني المعاصر والإسهام في رقيه وتقدمه متعاوناً مع كل قوى الخير والتعقل ومحبي العدل عند الشعوب كافة أبرازا أمينا لحقيقته وتعبيرا صادقا عن سلامة الإيمان والعقيدة بدعوة الحق سبحانه وتعالى للتآلف والتقوى.

اما العلماء فدعتهم الرسالة الى الإسهام في تفعيل مسيرة وتحقيق أولوية بأن يكون المسلمين هم القدوة والمثل في الدين والخلق والسلوك والخطاب الراشد المستنير يقدمون للأمة دينها السمح الميسر وقانونه العملي الذي فيه نهضتها وسعادتها ويبثون بين أفراد الأمة وفي أرجاء العالم الخير والسلامة والمحبة.

والإسلام كما أكدت الرسالة، دين أخلاقي الغايات والوسائل يسعى لخير الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة والدفاع عنه لا يكون الا بوسائل أخلاقية فالغاية لا تبرر الوسيلة في هذا الدين والأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلم .. فلا قتال حيث لا عدوان وإنما المودة والعدل والإحسان.

وتمت ترجمة رسالة عمان إلى العديد من اللغات ليصار إلى توزيعها بشتى أنحاء العالم لتتمكن الشعوب من الإطلاع على حقيقة الإسلام وانه دين الخلق والسلوك والخطاب الراشد المستنير.

_________________

من رسالة عمان




بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبّيه المصطفى
وعلى آله وأصحابه الغُرّ الميامين، وعلى رُسُل الله وأنبيائه أجمعين
قال تعالى: يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم صدق الله العظيم "الحجرات: 13".
هذا بيان للناس، لإخوتنا في ديار الإسلام، وفي أرجاء العالم، تعتز عمّان، عاصمة المملكة الأردنيّة الهاشميّة، بأن يصدر منها في شهر رمضان المبارك الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، نصارح فيه الأمّة، في هذا المنعطف الصّعب من مسيرتها، بما يحيق بها من أخطار، مدركين ما تتعرّض له من تحدّيات تهدّد هويتها وتفرق كلمتها وتعمل على تشويه دينها والنيل من مقدساتها، ذلك أنّ رسالة الإسلام السمحة تتعرّض اليوم لهجمة شرسة ممن يحاولون أن يصوروها عدواً لهم، بالتشويه والافتراء، ومن بعض الذين يدّعون الانتساب للإسلام ويقومون بأفعال غير مسؤولة باسمه . هذه الرّسالة السمحة التي أوحى بها الباري جلّت قدرته للنبي الأمين محمد صلوات الله وسلامه عليه، وحملها خلفاؤه وآل بيته من بعده عنوان أخوّة إنسانيّة وديناً يستوعب النشاط الإنساني كله، ويصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكرّم الإنسان، ويقبل الآخر .
وقد تبنت المملكة الأردنيّة الهاشميّة نهجا يحرص على إبراز الصورة الحقيقيّة المشرقة للإسلام ووقف التجني عليه ورد الهجمات عنه، بحكم المسؤوليّة الروحيّة والتاريخيّة الموروثة التي تحملها قيادتها الهاشميّة بشرعيّة موصولة بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، صاحب الرّسالة، ويتمثّل هذا النهج في الجهود الحثيثة التي بذلها جلالة المغفور له بإذن الله تعالى الملك الحسين بن طلال طيّب الله ثراه على مدى خمسة عقود، وواصلها، من بعده، بعزم وتصميم جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، منذ أن تسلّم الراية، خدمة للإسلام، وتعزيزاً لتضامن مليار ومائتي مليون مسلم يشكّلون خُمس المجتمع البشري، ودرءاً لتهميشهم أو عزلهم عن حركة المجتمع الإنساني، وتأكيداً لدورهم في بنــــاء الحضارة الإنسانيّة، والمشاركة في تقدمها في عصرنا الحاضر .
والإسلام الذي يقوم على مبادئ أساسها: توحيد الله والإيمان برسالة نبيّه، والارتباط الدائم بالخالق بالصلاة، وتربية النفس وتقويمها بصوم رمضان، والتكافل بالزكاة، ووحدة الأمّة بالحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وبقواعده الناظمة للسلوك الإنساني بكل أبعاده، صنع عبر التاريخ أمّة قويّة متماسكة، وحضارة عظيمة، وبشر بمبادئ وقيم سامية تحقّق خير الإنسانيّة قوامها وحدة الجنس البشري، وأنّ النّاس متساوون في الحقوق والواجبات، والسلام، والعدل، وتحقيق الأمن الشامل والتكافل الاجتماعي، وحسن الجوار، والحفاظ على الأموال والممتلكات، والوفاء بالعهود، وغيرها وهي مبادئ تؤلف بمجموعها قواسم مشتركة بين أتباع الديانات وفئات البشر؛ ذلك أنّ أصل الديانات الإلهيّة واحد، والمسلم يؤمن بجميع الرسل، ولا يفرّق بين أحد منهم، وإنّ إنكار رسالة أي واحد منهم خروج عن الإسلام، مما يؤسس إيجاد قاعدة واسعة للالتقاء مع المؤمنين بالديانـــــات الأخرى علـــــى صعد مشتركـــــــة في خدمة المجتمع الإنساني دون مساس بالتميّز العقدي والاستقــلال الفكري، مستندين في هذا كله إلى قوله تعالى آمن الرسول بما أنـــزل إليــــه من ربـــــــــه والمؤمنــــون كـــل آمــــن بالله وملائكتــــه وكتبـــــه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله وقالــــوا سمعنا وأطعنــــا غفرانــــك ربنـــــا وإليك المصير"البقرة: 285".
وكـرّم الإسلام الإنسان دون النظر إلى لونه أو جنسه أو دينه ولقد كـرّمنا بني آدم وحملناهم في البّر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا "الإسراء:70".
وأكّدّ أنّ منهج الدّعوة إلى الله يقوم على الرفق واللين أُدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "النحل: 125"، ويرفض الغلظة والعنف في التوجيه والتعبير فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر "آل عمران:159".
وقد بيّن الإسلام أنّ هدف رسالته هو تحقيق الرّحمة والخير للناس أجمعين، قال تعالى وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين "الأنبياء: 107" ، وقال صلى الله عليه وسلم "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (حديث صحيح).
وفي الوقت الذي دعا فيه الإسلام إلى معاملة الآخرين بالمثل، حثّ على التسامح والعفو اللذين يعبّران عن سمو النفس وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله "الشورى:40" ، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "فصّلت:34". وقرّر مبدأ العدالـــة فـــي معاملة الآخريــــن وصيانة حقوقهــــم، وعدم بخس النــــاس أشياءهم ولايجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى " المائدة:8" ، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "النساء:58" ، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " الأعراف: 85".
وأوجب الإسلام احترام المواثيق والعهود والالتزام بما نصت عليه، وحّرم الغدر والخيانة وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً "النحل:91".
وأعطى للحياة منزلتها السامية فلا قتال لغير المقاتلين، ولا اعتداء على المدنيين المسالمين وممتلكاتهم، أطفالاً في أحضان أمهاتهم وتلاميذ على مقاعد الدّراسة وشيوخاً ونساءً؛ فالاعتداء على حياة إنسان بالقتل أو الإيذاء أو التهديد اعتداء على حقّ الحياة في كل إنسان وهو من أكبر الآثام، لأنّ حياة الإنسان هي أساس العمران البشري من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً "المائدة:32".
والدين الإسلامي الحنيف قام على التوازن والاعتدال والتوسط والتيسير وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً "البقرة:143" ، وقال صلى الله عليه وسلم "ويسرّوا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " (حديث صحيح) ، وقد أسّس للعلم والتدبّر والتفكير ما مكن من إيجاد تلك الحضارة الإسلاميّة الراسخة التي كانت حلقة مهمة انتقل بها الغرب إلى أبواب العلم الحديث، والتي شارك في إنجازاتها غير المسلمين باعتبارها حضارة إنسانيّة شاملة . وهذا الدين ما كان يوماً إلاّ حرباً على نزعات الغلوّ والتطّرف والتشدّد، ذلك أنها حجب العقل عن تقدير سوء العواقب والاندفاع الأعمى خارج الضوابط البشريّة ديناً وفكراً وخلقاً، وهي ليست من طباع المسلم الحقيقي المتسامح المنشرح الصدر، والإسلام يرفضها - مثلما ترفضها الديانات السّماوية السمحة جميعها - باعتبارها حالات ناشزة وضروباً من البغي، كما أنها ليست من خواص أمّة بعينها وإنما هي ظاهرة عرفتها كلّ الأمم والأجناس وأصحاب الأديان إذا تجمعت لهم أسبابها، ونحن نستنكرها وندينها اليوم كما استنكرها وتصدّى لها أجدادنا عبر التاريخ الإسلامي دون هوادة، وهم الذين أكّدوا، مثلما نؤكد نحن، الفهم الراسخ الذي لا يتزعزع بأنّ الإسلام دين أخلاقي الغايات والوسائل، يسعى لخير الناس وسعادتهم في الدّنيا والآخرة، والدفاع عنه لا يكون إلا بوسائل أخلاقية، فالغاية لا تبرر الوسيلة في هذا الدين . والأصل في علاقــــة المسلمين بغيرهم هي الســـــلم، فلا قتال حيث لا عدوان وإنما المودة والعدل والإحسان لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين "الممتحنة:8" ، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين "البقـرة:193".
وإننا نستنكر، دينياً وأخلاقياً، المفهوم المعاصر للإرهاب والذي يراد به الممارسات الخاطئة أيّاً كان مصدرها وشكلها، والمتمثلة في التعدّي على الحياة الإنسانيّة بصورة باغية متجاوزة لأحكام الله، تروع الآمنين وتعتدي على المدنيين المسالمين، وتجهز على الجرحى وتقتل الأسرى، وتستخدم الوسائل غير الأخلاقية، من تهديم العمران واستباحة المدن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق "الأنعام:151"، ونشجب هذه الممارسات ونرى أنّ وسائل مقاومة الظلم وإقرار العدل تكون مشروعة بوسائل مشروعة، وندعو الأمّة للأخذ بأسباب المنعة والقوّة لبناء الذات والمحافظة على الحقوق، ونعي أنّ التطرّف تسبّبَ عبر التاريخ في تدمير بنى شامخة في مدنيات كبرى، وأنّ شجرة الحضارة تذوي عندما يتمكن الحقد وتنغلق الصدور . والتطرف بكل أشكاله غريب عن الإسلام الذي يقوم على الاعتدال والتسامح . ولا يمكن لإنسان أنار الله قلبه أن يكون مغالياً متطرفاً . وفي الوقت نفسه نستهجن حملة التشويه العاتية التي تصوّر الإسلام على أنه دين يشجّع العنف ويؤسّس للإرهاب، وندعو المجتمع الدولي، إلى العمل بكل جدّية على تطبيق القانون الدولي واحترام المواثيق والقرارات الدوليّة الصادرة عن الأمم المتحدة، وإلزام كافة الأطراف القبول بها ووضعها موضع التنفيذ، دون ازدواجية في المعايير، لضمان عودة الحقّ إلى أصحابه وإنهاء الظلم، لأنّ ذلك من شأنه أن يكون له سهم وافر في القضاء على أسباب العنف والغلوّ والتطرف .
إنّ هدي هذا الإسلام العظيم الذي نتشرف بالانتساب إليه يدعونا إلى الانخراط والمشاركة في المجتمع الإنساني المعاصر والإسهام في رقيّه وتقدّمه، متعاونين مع كل قوى الخير والتعقّل ومحبّي العدل عند الشعوب كافةً، إبرازاً أميناً لحقيقتنا وتعبيراً صادقاً عن سلامة إيماننا وعقائدنا المبنية على دعوة الحق سبحانه وتعالى للتآلف والتقوى، وإلى أن نعمل على تجديد مشروعنا الحضاري القائم على هدي الدين، وفق خطط علمية عمليّة محكمة يكون من أولوياتها تطوير مناهج إعداد الدعاة بهدف التأكد من إدراكهم لروح الإسلام ومنهجه في بناء الحياة الإنسانيّة، بالإضافة إلى إطلاعهم على الثقافات المعاصرة، ليكون تعاملهم مع مجتمعاتهم عن وعي وبصيرة، قـل هذه سبيلي أدعــو إلى الله على بصيرة أنـا ومــن اتبعني "يوسف:108" ، والإفادة من ثورة الاتصالات لردّ الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام بطريقة علميّة سليمة دون ضعف أو انفعال وبأسلوب يجذب القارئ والمستمع والمشاهد، وترسيخ البناء التربوي للفرد المسلم القائم على الثوابت المؤسّسة للثقة في الذات، والعاملة على تشكيل الشخصيّة المتكاملة المحصنة ضدّ المفاسد، والاهتمام بالبحث العلمي والتعامل مع العلوم المعاصرة على أساس نظرة الإسلام المتميزة للكون والحياة والإنسان، والاستفادة من إنجازات العصر في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وتبنّي المنهج الإسلامي في تحقيق التنمية الشّاملة الذي يقوم على العناية المتوازنة بالجوانب الروحيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والاهتمام بحقوق الإنسان وحريّاته الأساسيّة، وتأكيد حقّه في الحياة والكرامة والأمن، وضمان حاجاته الأساسيّة، وإدارة شؤون المجتمعات وفق مبادئ العدل والشورى، والاستفادة مما قدّمه المجتمع الإنساني من صيغ وآليات لتطبيق الديمقراطيّة .
والأمل معقود على علماء أمتنا أن ينيروا بحقيقة الإسلام وقيمه العظيمة عقول أجيالنا الشابّة، زينة حاضرنا وعدّة مستقبلنا، بحيث تجنبهم مخاطر الانزلاق في مسالك الجهل والفساد والانغلاق والتبعيّة، وتنير دروبهم بالسماحة والاعتدال والوسطية والخير، وتبعدهم عن مهاوي التطرّف والتشنج المدمّرة للروح والجسد؛ كما نتطلع إلى نهوض علمائنا إلى الإسهام في تفعيل مسيرتنا وتحقيق أولوياتنا بأن يكونوا القدوة والمثل في الدين والخلق والسّلوك والخطاب الرّاشد المستنير، يقدمون للأمّة دينها السمح الميسر وقانونه العملي الذي فيه نهضتها وسعادتها، ويبثون بين أفراد الأمّة وفي أرجاء العالم الخير والسلام والمحبّة، بدقّة العلم وبصيرة الحكمة ورشد السياسة في الأمور كلها، يجمعون ولا يفرقون، ويؤلفون القلوب ولا ينفرونها، ويستشرفون آفاق التلبية لمتطلبات القرن الحادي والعشرين والتصدي لتحدياته .
والله نسأل أن يهيئ لأمتنا الإسلاميّة سبل النهضة والرفاه والتقدّم، ويجنبها شرور الغلوّ والتطرف والانغلاق، ويحفظ حقوقها، ويديم مجدها، ويرسخ عزّتها، إنه نعم المولى ونعم النصير .
قال تعالى: وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون "الأنعام: 153".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،
عمّان
المملكة الأردنية الهاشمية
رمضان المبارك، 1425 هجرية
تشرين الثاني، 2004 ميلادية

آيات من سورة الفرقان


  • تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا
  • وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
  • وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا
  • وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا
  • وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا
  • إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
  • وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
  • وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
  • يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
  • إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
  • وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا
  • وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
  • وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا
  • وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
  • أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا
  • خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
  • قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا